الآلوسي
57
تفسير الآلوسي
* ( وَلاَ نُطيعُ فيكُمْ ) * في شأنكم * ( أَحَداً ) * يمنعنا من الخروج معكم وهو لدفع أن يكونوا وعدوهم الخروج بشرط أن يمنعوا منه * ( أَبَداً ) * وإن طال الزمان ، وقيل : لا نطيع في قتالكم أو خذلانكم ، قال في " الإرشاد " : وليس بذاك لأن تقدير القتال مترقب بعد ، ولأن وعدهم لهم على ذلك التقدير ليس مجرد عدم طاعتهم لمن يدعوهم إلى قتالهم بل نصرتهم عليه كما ينطق به قوله تعالى : * ( وَإنْ قُوتلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ) * أي لنعاوننكم على عدوكم على أن دعوتهم إلى خذلان اليهود مما لا يمكن صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حتى يدعوا عدم طاعتهم فيها ضرورة أنها لو كانت لكانت عند استعدادهم لنصرتهم وإظهار كفرهم ، ولا ريب في أن ما يفعله عليه الصلاة والسلام عند ذلك قتلهم لا دعوتهم إلى ترك نصرتهم ، وأما الخروج معهم فليس بهذه المرتبة من إظهار الكفر لجواز أن يدّعوا أن خروجهم معهم لما بينهم من الصداقة الدنيوية لا للموافقة في الدين ، ونوقش في ذلك ، وجواب * ( إن ) * محذوف ، و * ( لننصرنكم ) * جواب قسم محذوف قبل * ( إن ) * الشرطية ، وكذا يقال فيما بعد على ما هو القاعدة المشهورة فيما إذا تقدم القسم على الشرط * ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذبُونَ ) * في مواعيدهم المؤكدة بالأيمان ، وقوله تعالى : * ( لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الاَْدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ) * . * ( لَئنْ أُخْرجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ) * إلى آخره تكذيب لهم في كل واحد من أقوالهم على التفصيل بعد تكذيبهم في الكل على الإجمال * ( وَلَئنْ قُوتلُواْ لاَ يَنْصُرُونَهُمْ ) * وكان الأمر كذلك ، والإخبار عن خلفهم في الميعاد قيل : من الإخبار بالغيب وهو من أدلة النبوة وأحد وجوه الإعجاز ، وهذا مبني على أن السورة نزلت قبل وقعة بني النضير ، وكلام أهل الحديث . والسير على ما قيل : يدل على خلافه . وقال بعض الأجلة : إن قوله تعالى : * ( يقولون لئن أخرجتم ) * الخ من باب الإخبار بالغيب بناءاً على ما روي أن عبد الله بن أبيّ دس إليهم لا يخرجوا فأطلع الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام على ما دسه * ( وَلئن نَّصَرُوهُمْ ) * على سبيل الفرض والتقدير * ( لَيُوَلُّنَّ ) * أي المنافقون * ( الأَدْبَارَ ) * فراراً * ( ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ ) * بعد ذلك أي يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نقاقهم لظهور كفرهم ، أو * ( ليولن ) * أي اليهود المفروضة نصرة المنافقين إياهم ولينهزمن ، ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين ، وقيل : الضمير المرفوع في * ( نصروهم ) * لليهود ، والمنصوب للمنافقين أي ولئن نصر اليهود المنافقين ليولي اليهود الأدبار وليس بشيء ، وكأنه دعا قائله إليه دفع ما يتوهم من المنافاة بين * ( لا ينصرونهم ولئن نصروهم ) * على الوجه السابق ، وقد أشرنا إلى دفع ذلك من غير حاجة إلى هذا التوجيه الذي لا يخفى حاله . * ( لاََنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) * . * ( لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً ) * أي أشدّ مرهوبية على أن * ( رهبة ) * مصدر من المبني للمفعول لأن المخاطبين وهم المؤمنون مرهوب منهم لا راهبون * ( في صُدُورهمْ منَ الله ) * أي رهبتهم منكم في السر أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله عز وجل وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله عز وجل ، ويجوز أن يراد أنهم يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله تعالى ولشدة البأس والتشجع ما كانوا يظهرون ذلك ، قيل : إن * ( في صدورهم ) * على الوجه الأول مبالغة وتصوير على نحو رأيته بعيني * ( ذَلكَ ) * أي ما ذكر من كونكم أشد رهبة في صدورهم من الله تعالى * ( بأَنَّهُمْ ) * بسبب أنهم * ( قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) * شيئاً حتى يعلموا عظمة الله عز وجل فيخشوه حق خشيته سبحانه وتعالى ، والمراد بهؤلاء اليهود ، وقيل : المنافقون ؛ وقيل : الفريقان . * ( لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ) * . * ( لاَ يُقَاتلُونَكُمْ ) *